فخر الدين الرازي
55
المطالب العالية من العلم الإلهي
التفصيل ، وأنا أنبه على مقامات لا بد من الوقوف عليها ، ليصير ذلك التنبيه « 1 » سببا للاحتراز عن الأغلاط الواقعة فيها . فالمقام الأول « 2 » من المقامات المعتبرة في هذا الباب : إنه قد ثبت عندنا : أن النفوس الناطقة البشرية ، مختلفة بالماهية والجوهر . فبعضها مشرفة إلهية علوية ، وبعضها ظلمانية كدورية سفلية . وقد بالغنا في تقرير هذه المعاني في كتاب « النفس » . وإذا ثبت هذا ، فنقول : إن في النفوس ما يكون في أصل الجوهر ، والماهية : نفسا إلهية قابلة إلى حضرة القدس ، كثيرة الحب لها ، متوغلة في درجات معرفتها . ومنها ما قد حصل لها شيء من هذه الأحوال إلا أنها تكون ضعيفة ، ومنها نفوس كدرة ظلمانية خالية عن هذه الجواذب الإلهية ، والنوازع الروحانية ، غريقة في بحر الهوى « 3 » ، وظلمات عالم الحس والخيال . ولأجل المبالغة في إيضاح هذه المعاني أضرب له مثلا فأقول : ( إن جبال العالم وتلاله على قسمين : منها ما يتولد فيه شيء من المعادن ، ومنها ما لا يكون كذلك . والاستقراء يدل على ) « 4 » أن الجبال الخالية عن المعادن أكثر بكثير من الجبال التي تتولد فيها المعادن . ثم نقول : الجبال التي تتولد فيها المعادن ، منها ما يتولد فيه المعدنيات الخسيسة مثل معادن النفط والكبريت والنورة والملح . ومنها ما يتولد فيها المعدنيات الشريفة كالذهب والفضة والياقوت ، واللعل وغيرها . ثم الاستقراء يدل على أن الجبال التي يحصل فيها هذه المعادن الشريفة النفيسة ، أقل بكثير من الجبال التي تحصل فيها هذه الخسيسة . ثم نقول : ( هذه ) « 5 » الجبال التي تحصل فيها هذه المعادن الشريفة ، وهي الأجساد السبعة الذاتية ، نرى أن كل ما كان منها أخس ، كانت معادنها أكثر ، وكل ما كان أشرف كانت معادنها
--> ( 1 ) لتصير تلك الفضية ( ز ) . ( 2 ) في هذه الجملة تقديم وتأخير في ( س ) . ( 3 ) الهيولي ( س ) . ( 4 ) من ( ز ) . ( 5 ) من ( س ) .